محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

294

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [ الإسراء : 65 ] وقال عز وجل : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ النحل : 99 ] . فمن تحقق بهذا الصفات العليّة ، ومن : الإيمان باللّه تعالى ، والعبودية له ، والتوكّل عليه ، واللجاء والافتقار إليه ، والاستعاذة والاستجارة به ، كيف يكون لعدوّ اللّه عليه سلطان ؟ ! واللّه حبيبه ووليّ حفظه ونصره . ولولا ما أمرهم اللّه تعالى بالاستعاذة منه ما استعاذوا منه ، ومن هو حتى يستعاذ باللّه منه ! ! قال سيدي أبو العباس المرسي ، رضي اللّه تعالى عنه . في قوله تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] : قوم فهموا من هذا الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب . وقوم فهموا من ذلك أن الشيطان لكم عدوّ أي وأنا لكم حبيب فاشتغلوا بمحبته فكفاهم من دونه . وقال أبو حازم ، رضي اللّه تعالى عنه : ومن الشيطان حتى يهاب ؟ ! واللّه لقد أطيع فما نفع ، ولقد عصي فما ضرّ ! ! وقال بعضهم : الشيطان منديل هذه الدار ، يعني : يمسح به أقذار النسب ، وهي نسبة الشرور وأنواع المعاصي والفساد إليه ، أدبا مع اللّه عزّ وجلّ . وهذا سرّ إيجاده ، كما قال اللّه تعالى : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الكهف : 63 ] . وقوله تعالى : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ وأما أنّ له حولا وقوّة يضرّ بها أو ينفع فلا . قال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : ما خلق اللّه عزّ وجلّ خلقا أهون عليه من إبليس ، ولولا أن اللّه أمرني أن أتعوّذ منه ما تعوّذت منه أبدا . وقيل لبعض العارفين : كيف مجاهدتك للشيطان ؟ فقال : « وما الشيطان ! ! نحن قوم صرفنا هممنا إليه فكفانا من دونه » وسئل بعضهم : بم تدفع إبليس فقال : لا أدفع من لا أعرف . فأما إن أهملت ذلك وغفلت عنه ، ولم تعبأ به غلبك لا محالة لثبوت سلطنته عليك ، ووصوله بالوسوسة إليك . قال أهل العلم : إن لكل أحد من الناس وسواسا موكّلا به ، مستبطنا قلبه ، واضعا رأسه [ أو قال : خرطومه ] فإذا غفل العبد وسوس ، وإذا ذكر اللّه خنس : أي تأخرّ واستتر . وقال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « الشيطان قديم وأنت حديث ، والشيطان كسير وأنت سليم الناحية ، والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه ، وله من نفسك عليك عون » .